تابع نشاطنا

إفتتاحية

المؤتمر الوطني للحراك الشعبي
كخيار استراتيجي وحدوي لانتفاضة 22 فبراير 2019 الشعبية

السلطة العسكرية في حالة طوارئ رغم مظاهر استعادة التماسك الذي تبديه دوائر صنع قرارها عبر إعادة الاعتبار لقدماء مجرميهما الدمويين المعفى عنهم قصد ترهيب المواطنين ونشر اليأس من التغيير فيهم وزرع الشك بينهم وخلق مناخ جديد من الرعب بعدما فقد المتحكمون الدهاليز المظلمة لبرهة زمام المبادرة نتيجة لقصورهم الفكري وعجزهم التام عن مواجهة تداعيات الهزات الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية والسياسية المتوالية التي عصفت بقواعد أركانهم المتهاوية أمام الانتكاسات المتوالية المحيطة.

ومع ذلك فإن الشعب الجزائري صار أمام ساعة حسم مصيرية لتحرير وطنه من الاستبداد ولذلك فقد حان الوقت لجيل ثورة 22 فبراير 2019 لاستدعاء التاريخ الرمزي للأول من نوفمبر 1954 للتمعن فيه بقوة وفي شهادة ميلاد الجزائر الحديثة التي أثبتت سلطة الأمر الواقع أنها عبر التكرار والتلقين فرضت علينا كتابة مزيفة له حين قدمت لنا قراءة مخالفة للحقيقة لا تمت بصلة لحرب التحرير ولا لجيش التحرير ولا لجبهة التحرير الأصلية التي ماتت في عام 1962 وفقا لتأكيدات كبير مؤسسيها المغتال في سنة 1992.

لحماية مصالح العصابة الحاكمة باسم ثورة التحرير من النقد التاريخي تم استخدام كل الوسائل لتحويل أعداء الوطن من الخونة والمزيفين والمتغلغلين والفارين إلى أسطورة ثم إلى عقيدة مقدسة منذ الاستقلال وقد عاش الجزائريون في ظل جو من الإرهاب الفكري وغياب حرية التعبير تحت مناخ أرغم جيل الاستقلال على تجاهل تاريخ الحركة الوطنية وتضحيات رجالها وقد كانت المعرفة الأفضل بالتاريخ وحدها من ستقودنا للنظر بشكل مختلف إلى كل من هم في هرم السلطة مع إعادة النظر في تلك الفترة التي تفرض نفسها علينا كأفق لا يمكن تخطيه لفهم حاضرنا إذ أن عظمة جيل لا تكمن في النظر إلى حقبة أو طبقة  محتكمة بدون إخضاعها لقراءة نقدية ونظرة جديدة بعيدا عن الجزائر النموذجية المثالية التي تغنى بها تجار السياسة بهتانا بينما لسان الحال جعلنا نعيش في جزائر مميتة استند فيها جيش الحدود الذي اغتصب السلطة عشية الاستقلال بخدعة انطلت على الكثيرين وهي “الشرعية الثورية” المستمدة من حرب تحرير  لم يشارك فيها ومن هذا الدجل تدفقت كل شرور على الجزائر المستباحة التي شكلت فيها الانقلابات أصل محنتنا الوطنية وبذلك يحق لكل منا أن يتساءل عن علاقة جيش الحدود بحرب التحرير الذي لم تشحن فيها ميليشياته بنادقها مطلقًا ضد المحتل لكنها لم تتردد في إفراغها على مجاهدي الداخل أثناء سير جحافلها من الشرق والغرب لاحتلال الجزائر العاصمة صيف  عشية الاستقلال ليتم بعدها تعيين رئيسًا للدولة بإرادة قائد أركان تلك الميليشيا ثم الانقلاب عليه بعد مدة وجيزة وبذلك ساد نفس منطق الغدر والقوة الذي كان معمولا به من قبل تلك العصابات  في الدول المحاذية التي تمركزت فيها حين تآمرت على مجاهدي الداخل واغتيالهم غدرا بعد أن منعت عنهم الدعم والسلاح الذي كانت الشعوب الصديقة تقدمه لنا بسخاء أثناء حرب التحرير ليحل بعدها الجندي الخنوع المنفذ لأوامر العسكر ضد شعبه محل مجاهد جيش التحرير الذي حرر شعبه والجيش الحالي ليس وريث جيش التحرير أبدا كما يروجون بل هو سليل جيش الحدود وميليشياته الداخلة من الخارج بدعم أجنبي وهو كذلك جيش القوة القاتلة التي استباحت دماء الشعب في عموم البلاد حين أطلقت النار على المواطنين العزل في أعوام 1962 و1965 و1988 و2001 دون نسيان تجاوزاته الخطيرة في سنين الجمر التي أدخلت البلد في مناخ من الحرب والإرهاب في تسعينات القرن الماضي. 

منذ صيف الاستقلال كان على عاتقنا جميعا أن ندرك بأن كل الأزمات التي نشأت في الجزائر المستقلة ليست سوى ترجمة للصراعات بين العصب المتحكمة في السلطة والتي يمكن أن تؤدي في النهاية إلى خراب ودمار عارم أو إلى زوال بلد نسميه الجزائر ومن هنا كانت الحاجة إلى العمل الثوري المستمر والمكمل لانتفاضة فبراير التي زعزعت بعض الشيء أركان النظام دون إسقاطه مثلما حدث في أكتوبر 1988 ومنه نتساءل إن كنا حقا قد أنهينا الاستعمار وامتداداته بعد سنين طويلة من الصراع والتضحيات أم أننا فقط طردنا الشكل الخارجي الظاهر منه دون القضاء على أزلامه في الداخل.

في الواقع أن الاستعمار بوكلائه في الداخل لم ينتهي تماما  حين نسمع الشعب الجزائري التواق للحرية يهتف مجددا في ذكرى تاريخ استقلاله المصادف للخامس من يوليو 2019 مرددا عبارة نريد الاستقلال، نريد الاستقلال، نريد الاستقلال فنحن إذا ما زلنا تحت نفس المشهد إذ كنا فقط في السابق تحت استعمار أجنبي قسم الجزائر إلى جزائر المستعمرين وجزائر الأهالي من السكان الأصليين أما اليوم فنحن أمام جزائر العصابات وجزائر الشعب الذي يواجه السلطة الغاشمة بل أكثر من ذلك  حين يتحكم الاستعمار الجديد في بلدنا بواجهة مدنية عبر رئيس معين لا حول له ولا قوة تحوط به جذاذة من جنرالات العسكر أوصلت الوضع إلى ما هو عليه من تعفن حين صارت تلك العصابات الحاملة للنياشين وكما عودتنا بعد كل هبة شعبية تنتقم بشكل مباشر من المواطن المقهور ليلزم بيت الطاعة لتجعله يدفع ثمنا باهظا لثورته السلمية بإدخاله في متاهات مصاعب الحياة اليومية كغلاء المعيشة والغرامات الكيدية والبيروقراطية الإدارية التي يرعاها جهاز قضاء فاسد فاقد للأهلية نتيجة لأوامر التلفون ومع ذلك فما الذي حققناه من مكاسب لحراكنا المتواصل غير عودة الشعب السيد إلى المشهد السياسي كفاعل أساسي قوي وموحد حامل للشرعية التي ستلزم العسكر وجوبا بالخضوع للشعب في وقت آت لا محالة بعد أن تميز الحراك السلمي  اللا عنفي بشعاراته الراديكالية الداعية للتغيير الجذري والغير قابلة للمساومة والتأويل أو أنصاف الحلول التي يريد بعض أصحاب المبادرات المشبوهة فرضها على الشعب الجزائري على أساس كون الأزمة الحالية سياسية بحتة قابلة للحل عن طريق المفاوضات والأخذ والرد مع نظام عسكري استبدادي اثبت التاريخ استحالة الوصول لنتيجة معه ومع وكلائه من الرؤساء والوزراء الذين يعينهم حيثما يشاء ويتخلص منهم متى يريد.    

تلك المبادرات التي لم تراعي في أغلبها موقف الشعب الجزائري المعبر عنه من خلال المسيرات التي دامت قرابة السنتين عبر شعارات قوية ومدوية منها يتنحاو اعويا حنا يا أنتوماودولة مدنية ماشي عسكريةوغير ذلك مما صاحت به حناجر الأحرار  من الشعارات الأخرى التي ما هي في الحقيقة إلا موقف متصلب وراديكالي ارتسم بالديمومة والتعميم والإصرار خلال كل فترة الحراك في أوساط المتظاهرين بالداخل والخارج وعليه تأتي كلها كحوصلة نضالية لتأكد أن الشعب قد تحسس عن وعي مكمن الداء وتشخيص المرض وطرق علاجه مقدما الحل الجذري للمسألة الجزائرية التي تحددت طبيعتها على أن المواجهة بين الشعب الثائر سلميا والسلطة الفعلية على أنها وصلت إلى صراع عدمي بين إرادتين لا يقبل التفاوض لا بد فيه لطرف أن ينهي الآخر وبلا عنف في إطار انسحاب العسكر تماما من المشهد قبل الدخول في مرحلة انتقالية وذلك كتجسيد لا لبس فيه عن راديكالية ثورية مستحدثة لإسقاط النظام المتسلط برمته وليس ترقيعه أو ترميمه عن طريق حلول عقيمة.

 ففي الفترة الممتدة من 22 فبراير إلى 23 ديسمبر من عام 2019 أظهرت الأحداث وحدة الشعب من ناحية وتناحر العصب المتحكمة في السلطة من ناحية أخرى لينتهي الصراع بالتخلص من رئيس الأركان الجيش تماما كما حدث من قبل مع مؤسس ميليشيات الحدود في أواخر السبعينات بموت غير طبيعي وقد كان جناح من العسكر من أدعياء التيار “الباديسي – النوفمبري” من خلال تصريحات قائد أركانه المقبور أول من قام بإضفاء الطابع الأيديولوجي على الحراك قصد تخوين المعارضين له من خلال ليضرب مرة أخرى على وتر التاريخ والشرعية الثورية دون إدراك حقيقة امتدادهم لميليشيات جيش الحدود ومخابراتها المعروفة بالشرطة السياسية  التي أثبتت الصراعات حقيقتها  كعصابات متنافرة تتصارع وتتآكل يوم بعد يوم في صراع مصالح و نفوذ دائم داخل الكواليس والدهاليز المظلمة وما تعيين الرؤساء وإقالتهم إلا نتيجة لحرب العصب التي تتفكك وتتشكل وفق لإملاء وأوامر وضغوط القوى الخارجية الناهبة لثروات الجزائر ومع ذلك فإن تلك العصب التي تمزق بعضها البعض تتفق دوما على هوية عدوها المشترك وهو الشعب ولهذا السبب احتاجت جزائر العصابات إلى وحدة ما يسمى بالحراك لمحاولة ركوب الموجة ومواكبة صراعاتها الداخلية إلى غاية 23 ديسمبر 2019 وبعد هذا التاريخ صدرت الأوامر من العصابة المتغلبة بضرورة نشر الفتنة وتقسيم الشعب من خلال نقل الحرب الأيديولوجية إلى داخل قواعده للتأثير على وحدته وتماسك صفوفه المتراصة بإشاعات الريبة والشك والتخوين التي دفعت به إلى معارك هامشية  لا علاقة لها بأهداف الثورة وعليه فنحن مدعوون لتحويل تلك الروح الرافضة للاستبداد والديكتاتورية التي سادت منذ الاستقلال إلى وحدة ووعي ثوري لن يؤتي ثماره إلا بتبني إستراتيجية مدروسة للذهاب إلى قطيعة شاملة مع نظام العصابات لتحصيل نتائج حتمية في اقرب الآجال ففي ديسمبر 2019 انتصر المفهوم الرافض للتصويت بشعار لا انتخابات مع العصابات   وبنفس الزخم تمت المقاطعة الشعبية الشاملة للاستفتاء على الدستور في نوفمبر 2020 ومع وجود هذه الحالة الفريدة من نوعها في تاريخ الأمة الجزائرية الحديث وجب ترجمة العزوف عن التصويت وعدم الاعتراف بهذه المهازل الانتخابية إلى أفعال عملية لتفادي انحسار الثورة الشعبية و انكماشها إذ وفي الوقت الذي كانت تستعد فيه العصابات لحفلتها الانتخابية بعد محاولة تمرير دستورها الذي أراد دفن روح   نوفمبر الثورية فوجئت الطغمة الحاكمة بوحدة الموقف الشعبي الجزائري الصامد في الداخل والخارج الرافض للاستبداد الذي يجب تتويجه بشعار “الجزائر تحت الاحتلال” ليكون ذالك علامة فارقة في التاريخ الذي سينير الرأي العام الدولي بحقيقة نظام العصابات المتحكمة منذ الاستقلال مع وجوب التوجه الجماعي لكل الهيئات الأممية والإقليمية والمحاكم الدولية ومخاطبتها تمهيدا للدخول في مرحلة المقاومة اللا عنفية المشروعة والعصيان المدني العام الذي سيدخل حيز التنفيذ في أقرب الآجال تحت هيكل منظم.

في مناخ سياسي تشوبه الضبابية فإن الغياب الشبه كلي للطبقة السياسية المعتمدة من أدعياء المعارضة عن مواكبة تطورات ثورة 22 فبراير 2020 الشعبية ترك خنادق وساحات النزال المصيرية والميادين خاوية أمام الشخصيات والأحزاب الموالية للسلطة المعروفة بمواقفها العدوانية ضد للشعب لتسطير مصير مشؤوم للجزائر بأفواه مبررة للرداءة والفساد وأيد آثمة ترتفع في البرلمان للتصويت كل مرة للمصادقة على كل ما يمليه العسكر في وقت احتدم صراع الأجنحة على مستوى هرم السلطة مبرزا إلى العلن بسقوط العديد من رؤوس العصابة الحاكمة بشقيها العسكري والمدني وهروب جزء منها إلى الخارج مع بقاء الجزء الأخر متحكما في السلطة كأمر واقع جديد مستمدا قوته ونفوذه من بقايا القوى القمعية المعروفة بإجرامها في حق المدنيين العزل في تسعينات القرن الماضي وكذلك من التواطؤ الدولي والإقليمي المفضوح الذي مدد في حياة النظام الغير شرعي في كل مرة بالجرعات اللازمة من الصمت عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي مكنته من الالتفاف على مطالب الشعب المشروعة المستمدة من مبادئ وثوابت وشعارات ثورتي نوفمبر وفبراير.

 فالفوضى العارمة التي تسود تلك المؤسسات السيادية والحيوية لم تكن إلا نتيجة لتدخل المؤسسة العسكرية من خلف الستار في إدارتها و مراقبتها و توجيهها من أجل جعلها تسير وفق منطق الثكنة وذالك بالأوامر الفوقية التي تتلقاها عبر تعليمات مخالفة كثفت العشوائية والارتجالية وغياب القانون على كافة مستويات الدولة مما أنتج  سياسات فاشلة وإخفاقات متتالية وتراكمات على مدى عقود لدرجة صار فيها الغش والمحاباة والمحسوبية والتزوير والوعود الكاذبة والتلاعب بالانتخابات ونتائج الاقتراع والتعيين بأوامر فوقية والتحفيز على الكراهية والحقد وانتشار الفوضى بين مكونات الشعب الواحد من المسلمات وذلك بسبب وجود مؤسسة عسكرية يوجه جنرالاتها كل أسلحة الدولة والمخابرات لمحاربة المواطن الحر الذي يطالب بحقوقه في الأطر السلمية في إتباع عقيم لعقيدة جيش الحدود التي جعلت من الشعب الجزائري عدوها الأول العدو لدرجة صارت فيها تهم التخابر والمؤامرة الخارجية والخيانة تلصق بكل معارض بالرغم من أن دستور العسكر في حد ذاته جعل من جنودنا أداة بيد القوى الاستعمارية للقتال بالوكالة عنهم في بلدان ليس بين شعوبها وبين الشعب الجزائري أي خلاف وبذلك فإن محاولة توقيف مسار تاريخ الشعوب التي قررت استرجاع كرامتها ما هو في الحقيقة إلا نوع من أنواع المكابرة والمقامرة التي سيكون الخاسر الوحيد فيها هو تلك النظم الشمولية والعسكرية الديكتاتورية القمعية المتخلفة التي لا تعتبر الدروس مما سبق ولذلك فانسحاب العسكر من السياسة وإحالة كل من بلغ منهم سن التقاعد القانونية على المعاش ومحاسبة المجرمين مهم والفاسدين أصبح ضرورة أمنية عاجلة لحماية الوطن من المخاطر المحدقة التي تحيط به من كل مكان.

هناك فرق شاسع بين دولة قانون الغاب السائدة في الجزائر ودولة العدل والمساواة التي يحلم بها الشعب لتضمن حقوق كل مواطن دون الإخلال بما عليه من واجبات وعليه فالقاضي الفاسد الأسير لنزواته ما هو في الواقع إلا ذلك الظالم المحتال المتنكر تحت عباءة القانون كخادم مطيع للطغاة وحامل لعصا البطش المرعبة لدكتاتورية العسكر التي تقمع الحقوق والحريات وتصادرها متى تشاء بالاعتقال والحجز التعسفي والسجون عبر تسليط العقوبات والغرامات جزافا طبقا لسلطة تقديرية عمياء منحها الجنرالات لقضاة عديمي الضمير معززين بمواد قانونية مجحفة شرعها البرلمان الغير شرعي في وجود جهاز قضائي موجه بالهاتف والأوامر مع غياب كلي للعدالة مما كرس سياسة الإفلات من المحاسبة والعقاب في تعد صريح على حقوق الإنسان وانتهاكها باسم القانون الذي صار حاميا للطغاة والمفسدين بنصوصه العقيمة.

إن الاستقلال الحقيقي للسلطة القضائية يجب أن يكون حتما عبر خضوع القضاة لرقابة الممثلين الشرعيين المنتخبين من طرف الشعب السيد الذي تصدر الأحكام باسمه وليس هوى للقاضي الذي يبتغي من وراء ذلك التنمر على المواطنين تبعا للحصانة الغير مستحقة التي يتمتع بها لقهر المظلومين في حين نرى هؤلاء المتنمرين أنفسهم من القضاة كيف وقفوا بأيد مشدودة لا تتحرك أمام الضرب والتعنيف الذي تعرضوا له من قوى الدرك القمعية التي نفذت الأوامر العسكرية باقتحام همجي لحرمة محاكم كانت عادة مقرات لأداء قسم تخرج تلك الدفعات النظامية في يوم مشهود هز الضمير العالمي الحر الذي تيقن إلى حد الجزم بخضوع الجهاز القضائي في الجزائر لسلطة العسكر ناهيك عن ذلك تجريد مجلس المحاسبة   من صلاحياته حين غدا هيكلا بلا روح ولا يحمل من الحساب غير التسمية مما شجع الاختلاسات والتلاعب بالمال العام والتربح الغير مشروع وفقا لصفقات مشبوهة لم تسلم منها حتى وزارة الدفاع التي حوكم ضباطها وجنودها الرافضين للفساد في محاكم عسكرية مع فرار البقية منهم إلى المنفى طلبا للجوء ومن ذلك فإن انتشار المترفين والفساد والتبذير واختلاس المال العام على نطاق واسع مرده إلى غياب جهاز قضائي فعال ورادع لا تتلقى الأوامر وما فضيحة بنك الخليفة عنا ببعيد حين يحاسب القضاء فردا من العصابة ويتستر عن بقية اللصوص المدنيين والعسكريين الذين يتمتعون بآلاف المليارات من أموال الشعب التي سرقوها من خزائن البنك الذي فر صاحبه حينا إلى بريطانيا قبل إصدار مذكرة اعتقاله الدولية واسترجاعه لضمان سكوته وللقضاء الظالم يد في ارتفاع معدل الجريمة والتعدي على امن وسلامة المواطنين وممتلكاتهم وتعاطي المخدرات وانتشار الآفات الاجتماعية التي وصلت إلى حد الاختطاف والاغتصاب والتعذيب والقتل والتنكيل بالضحايا لغياب إرادة حقيقة في تكريس العدالة في كيفية التعامل مع هذه الظواهر التي تلقى رواجا لدى مجرمي الحق العام الذين يحضون برعاية خاصة وتخفيضات في مدة الأحكام القضائية خلافا لمعتقلي الرأي الذين يموتون ببطء في سجون النظام المظلمة لمجرد التعبير عن أرائهم الحر أو التظاهر السلمي المكفول وفقا للقوانين والمعاهدات الدولية المصادق عليها.

كارثة الإدارة في جهازها البيروقراطي الضخم الغير منتج الذي ينخر عادة أموال الخزينة العامة ويبددها في شكل أجور ونفقات غير مستحقة ترصد للفاسدين فيه في الوقت الذي لم يكن ذلك الجهاز سوى تلك الأداة الطيعة للدكتاتورية حين تحرك أجراء الوظيف العمومي فيه ضد الشعب لتزوير نتائج الانتخابات تارة وعرقلة مصالح المواطنين تارة أخرى لتدخلهم في متاهات يومية متعبة بين إداراتها لينسوا معاناتهم ومواجهتهم المصيرية مع استبداد السلطة وليدخلوا في صراعات هامشية مع الحجاب وصغار وموظفي الدولة لا تنتهي في متلازمة تتكرر بشكل لافت أمام الإدارات الحكومية والمؤسسات التجارية والاقتصادية التابعة لها في زحام وطوابير انتظار مهينة لكرامة المواطن الذي صارت الفئات الهشة منه تموت على قارعة الطريق في انتظار توفر السيولة في مراكز البريد في حين أن الشرطة والدرك وعناصر الجيش والإدارة الفاسدة لا يجدون مشكلا في تحصيل أموالهم وأجورهم وبقية المزايا رغم مزاعم المساواة بين المواطنين.

فاختلاق كل إدارة جديدة أو هيئة بما يتبعها من نفقات وتبديد للمال العام لم يساهم إلا في إظهار ذلك الفشل الذريع لمسؤولين معينين بالمحاباة والأوامر الفوقية ودليل ذلك كيفية إدارتهم للمراكز الصحية والمستشفيات وتعاملهم البدائي مع الكوارث الطبيعية والحرائق والفيضانات والزلازل وجائحة الوباء والطوارئ حين حدوثها ناهيك عن عجزهم التام عن التحكم في البيئية ونظافة المحيط وعليه فإن جائحة الفيروس التاجي الأخيرة قد مست كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلد لدرجة عجز فيها الجنرالات عن علاج رئيسهم المعين في مستشفى عسكري أو مدني لتكشف عن افتقاد الطغمة الحاكمة لتصور فكري ولرؤى مستقبلية واستشراف استراتيجي لما سيأتي من كوارث وتبعات سلبية ذات أثار مدمرة على البلاد نتيجة لسيطرة الفاسدين على الإدارة التي تحولت إلى جهاز قمعي بيروقراطي لإرهاب الشعب وتركعيه في غياب العدالة تحمي المواطن من التعسف ولا عجب في ذلك حين تجد المجرمين والفاسدين من الوزراء والولاة ورؤساء الدوائر والأمناء العامين والمديرين المركزيين والفرعيين موسومين بشاهدات تخرج من المدرسة العليا للإدارة التي لم تصنع منذ تأسيسها إلا الكثير من كبار الدكتاتوريين وصغارهم من قاهري الشعب ومعذبيه وناهبي أمواله ومبددي أحلامه ولو لا ثورة فبراير ما وقف الشعب على حقيقة هذه المدرسة التي دخل الكثير من خريجيها السجون بتهم الرشوة والسرقة والاختلاس والثراء الغير مشروع والتعسف في استعمال السلطة وغير ذلك من التهم التي لا تليق برئيس حكومة ووزير أو مدير في حين أن التجار والحرفيين والفلاحين والصناعيين من دافعي الضرائب والعمال والموظفين النزيهين الذي يحملون قيمة مضافة للمجتمع لا يحضون بأي تامين صحي واجر مكافئ لجهودهم تقاعد كريم نظير سنوات عملهم القانونية التي تم تمديدها بإلغاء التقاعد الذي تستفيد من اشتراكاته المقتطعة فئات أخرى بدون وجه حق.

لا يمكن الحديث عن بيروقراطية الإدارة والوضع الاقتصادي المتردي ومعدلات النمو المتدنية فيه دون ذكر دور الجنرالات في الصفقات المضخمة والنفقات التي يقتطعون عمولتهم منها واحتكارهم لسوق الدواء والمواد الأساسية الواسعة الاستهلاك المستوردة والمحلية منها إضافة إلى السلع الممنوعة العابرة للحدود التي تنخر المجتمع وتنهك الجباية دون نسيان الأموال المهربة بالعملة الصعبة إلى الخارج والتي تصرف في الترف والترفيه وفي شراء عقارات باهظة الثمن من المال العام من طرف أقارب ووسطاء وسماسرة عصابة نظامية تحمل نياشين ورتب عسكرية يرتدي أفرادها بدلات رسمية إذ اقترن اسم كل وزير عديم الكفاءة معين في القطاع المالي والصناعي والتجاري باسم جنرال فاسد مستفيد من التسهيلات والقوانين المكيفة التي تضمن للعسكر اقتصاد الندرة الضامن لرواج مبيعات شركاتهم ومؤسساتهم في سوق مغلق خاضع وجوبا لنفوذهم التسلطي الذي ترك البلد في قائمة الدول المتخلفة بالرغم من الثروة البشرية والمادية التي تفوق التصور وبميزانية اقل بكثير من ميزانية وزارة الدفاع عندنا تمكنت الكثير من الدول السائرة في طريق النمو من تأسيس جيوش متطورة تحوز على قاعدة صناعية عسكرية كبيرة مكنت عددا هائلا من المدنيين من الاستفادة منها عبر امتصاص ذكي لشبح البطالة مع تحصيل قيمة مضافة مهمة من تلبية طلبات المجال الدفاعي المحلي وتوريد الفائض دون نسيان الأثر الهدام للتاريخ المزيف على الجزائر في نهب الخزينة العامة حين نرى اغلب أموال ميزانية وزارة المجاهدين الضخمة تصرف على شاهدي الزور وأبنائهم من أدعياء الجهاد وتحرير وطن لم يشتركوا أبدا في معركة لأجله ومن ذلك فأن حاجة نظام العصابات إلى وعاء انتخابي موال جعله يحجم عن التعرض لتلك الوزارة والتحقيق مع المزيفين فيها وإحالتهم إلى العدالة رغم العجز الهائل في الموارد نتيجة تذبذب مداخيل المحروقات.

يحدث كل ذلك الواقع المرير من إهدار للمال العام والتبديد المنهجي للثروة وعدم التوزيع العادل لها بتعميق الفوارق بين المترفين وطبقات الشعب الهشة في وقت بلغت فيه معدلات ركوب قوارب الموت في اتجاه المجهول وهجرة الأدمغة وتفشي ظاهرتي الفقر والبطالة والعجز في الإسكان وتدهور الصحة العامة وعجز المستشفيات عن استقبال المرضى مع تدني الخدمات المقدمة وانتشار الآفات الاجتماعية الخطيرة والانتحار أرقاما خيالية مما نشر اليأس والجريمة والمخاطرة بالهجرة الغير نظامية للهروب من الواقع طمعا في حياة أفضل في بلدان الشمال ليلي ذلك انهيار رهيب في القدرة الشرائية للمواطنين من ذوي الدخل المتوسط والبسيط مما اثر سلبا على الفئات الهشة من الأطفال وكبار السن ومن ذوي الاحتياجات الخاصة وأصحاب الأمراض المزمنة ومحدودي الدخل والمتقاعدين وذوي الدخل المعدوم من البطالين الذين أرهقهم غلاء المعيشة في ظل فواتير الكهرباء والماء والغاز المرتفعة والضرائب والغرامات العشوائية التي يبتغي منها العسكر تعويض العجز في الميزانية التي بددوها من جيب المواطن المغلوب على أمره في غياب كلي لثقافة وطنية مسؤولة  تمنع وجود إعلام مرتزق غير نزيه شرعن لظاهرة فتنة وتفرقة غير مسبوقة قادها ذبابه الالكتروني المرئي والمسموع والمقروء عبر الوسائط المختلفة من شبكات التواصل الاجتماعي في شكل زمر مأجورة من الخونة والمرتزقة وأشباه المثقفين المبررين للدكتاتورية والاستبداد في مناخ سيطرت فيه مخابرات العسكر على الصحف والإذاعات والقنوات التليفزيونية التي يديرها لصالحهم أشباه صحافيين مدعومين بإشهار أموال الخزينة لتلميع صورة النظام المتهالك قصد نشر الأخبار المغلوطة والمضللة وتضليل الرأي العام وتوجيهه بعد أن فقد الكثير من الإعلاميين المصداقية والأمانة لتمجيدهم بلا حياء للمنكر من أعمال العصابة وحكم العسكر بوجود وكالة أنباء رسمية كذوبة جعلت من إشاعات الذباب الالكتروني المرتزق مادة إعلامية على حساب الشعب يقتات الصحافيون من أموال دافعيه للضرائب.

ومن كل ذلك أظهرت التجارب استحالة انتصار أغلبية عددية غير متجانسة في مواجهة غير متكافئة مع عصابات منظمة تمتلك السلطة والمال والسلاح والإعلام والتواطؤ والدعم الدوليين وعبر التاريخ المعاصر وفي أي دولة من دول العالم لم تنجح ثورة شعبية عشوائية غير منظمة وعليه وكخيار استراتيجي متاح سيمكن الشعب الجزائري سريعا من قطف ثمار حراكه الذي سيسير حتما نحو تصعيد ثوري لا عنفي سيتوج بمرحلة انتقالية تقودها ستؤسس في النهاية للدولة المدنية المنشودة التي لا يحكمها العسكر عبر انتخابات حرة ونزيهة وبذلك فإن حتمية المرحلة تفرض علينا التوجه وجوبا نحو في داخل البلاد وخارجها  نحو إطار تنظيمي جامع وموحد لكل قوى الخير الشعبية تحت تسمية المؤتمر الوطني للحراك الشعبي ليجمع كل أبناء الجزائر المخلصين الرافضين للدكتاتورية والاستبداد في هيكل صلب لمواجهة قوى الشر المتربصة التي لملمت صفوفها وتحالفت مع بعضها لضرب الحراك ولالتفاف على مطالبه المشروعة.  

 وكتجسيد للمقاطعة الشاملة للتصويت على دستور العصابات التي رسخت أمام الرأي العام الدولي الرفض جماهيري لسلطة الأمر الواقع المستبدة كتعبير على استفتاء ميداني شعبي على ضرورة رحيل نظام الأقلية العسكرية التي تحتل الجزائر بالحديد والنار منذ سقوطها تحت حكم الانقلابيين المتمردين على مبادئ ثورة نوفمبر وانتهاكها لكل الأعراف السامية لحقوق الإنسان والعدالة والحرية والديمقراطية سيدعو المؤتمر الوطني للحراك الثوري “ المتواطئين مع نظام العصابات الدكتاتوري من دول الغرب والشرق وباقي الحكومات والهيئات والشركات المتعددة الجنسيات ومؤسساتها الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية التي صورت نضال الشعب الجزائري كفوضى وعصيان وتهديد إرهابي في انحياز فاضح للاستبداد إلى تجنب التعامل أو التعاقد أو التخابر أو خدمة حكم الأقلية العسكرية الزائل كحتمية أثبتها التاريخ والمسارعة في الاعتذار من الشعب الجزائري الثائر لحقوقه وفتح صفحة جديدة معه على أساس علاقة تبادل الاحترام والمصالح التي ستكون مشروعة ومربحة لجميع الأطراف في غياب الطغاة ولوقف المغامرة بخلق شرعية ثورية جديدة يتم حل المجلس الوطني للحراك الشعبي مباشرة بعد تحقيق أهداف ثورتي نوفمبر وفبراير ليتحول أعضاؤه إلى صفوف الشعب كمواطنين في كنف دولة المدنية التي لا يحكمها العسكر الذين سيعودون إلى ثكناتهم ومناطق الرباط الحدودية في إطار مهامهم المحددة بعيدا عن السياسة لتامين منعة الوطن وسلامته من كل تهديد.

                                   لجنة المتابعة والتنسيق

                                     حرر بتاريخ 16 فبراير  2021